ابن قيم الجوزية
98
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الجنة بيضاء فليلبسه أحياؤكم وكفنوا فيه موتاكم » وروينا من طريق البخاري حدثنا عبد اللّه بن محمد حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عبد ربه الحنفي عن خاله الزميل بن السماك أنه سمع أباه يحدث أنه لقي عبد اللّه بن عباس بالمدينة بعد ما كف بصره فقال « يا ابن عباس ما أرض الجنة ؟ قال مرمرة بيضاء من فضة كأنها مرآة ، قلت فما نورها ؟ قال ما رأيت الساعة التي تكون فيها قبل طلوع الشمس فذلك نورها إلا أنه ليس فيها شمس ولا زمهرير » وذكر الحديث وسيأتي إن شاء اللّه تعالى وفي حديث لقيط بن عامر الطويل الذي رواه عبد اللّه بن أحمد في مسند أبيه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وذكر الحديث وقال « وتحتبس الشمس والقمر فلا يرون منهما واحدا ، قال قلت يا رسول اللّه فبم نبصر ؟ قال مثل بصرك في ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال » وفي سنن ابن ماجة من حديث الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن الضحاك المغافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها ، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ، ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة ، وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة ، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية ، قالوا نعم يا رسول اللّه نحن المشمرون لها ، قال قولوا إن شاء اللّه قال القوم إن شاء اللّه » . الباب السادس والثلاثون في ذكر غرفها وقصورها ومقاصيرها قال اللّه تعالى : لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ فأخبر أنها غرف فوق غرف وأنها مبنية بناء حقيقة لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل وأنه ليس هناك بناء بل تتصور النفوس غرفا مبنية كالعلالي بعضها فوق بعض حتى كأنها ينظر إليها عيانا ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية أي لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها وقال تعالى : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا والغرفة جنس كالجنة وتأمل كيف جعل جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة للّه الغرفة والتحية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم فبدلوا بذلك سلام اللّه وملائكته عليهم . وقال تعالى : وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا